First Previous Next Last

يكون، فقال إذا فرأسي كبش فزاد كلامه إحالة. وفي الكشاف أنهم يقولون ذلك إذا أمن اللبس كقول الشاعر: 
كلوا في بعض بطنكم تعفوا فإن زمانكم زمن خميص
وهو نظير ما قاله سيبويه في باب ما لفظ به مما هو مثنى كما لفظ بالجمع من نحو قوله تعالى: {فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} [التحريم: 4]. ويقولون: ضع رحالهما وإنما هما اثنان وهو خلاف كلام الجاحظ وقد يكون ما عده الجاحظ على القائل خطأ لأن مثل ذلك القائل لا يقصد المعاني الثانية فحمل كلامه على الخطأ لجهله بالعربية ولم يحمل على قصد لطيفة بلاغية بخلاف ما في البيت فضلا عن الآية كقول علي رضي الله عنه لمن سأله حين مرت جنازة: من المتوفي  بصيغة اسم الفاعل  فقال له علي الله لأنه علم أنه أخطأ أراد أن يقول المتوفي وإلا فإنه يصح أن يقال توفي فلان بالبناء للفاعل فهو متوف أي استوفى أجله، وقد قرأ علي نفسه قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ} بصيغة المبني للفاعل.
وبعد كون الختم مجازا في عدم نفوذ الحق لعقولهم وأسماعهم وكون ذلك مسببا لا محالة عن إعراضهم ومكابرتهم أسند ذلك الوصف إلى الله تعالى لأنه المقدر له على طريقة إسناد نظائر مثل هذا الوصف في غير ما آية من القرآن نحو قوله: {أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [النحل: 108] وقوله:  {وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا} [الكهف: 28] ونظائر ذلك كثيرة في القرآن كثرة تنبو عن التأويل ومحملها عندنا على التحقيق أنها واردة على اعتبار أن كل ولقع هو بقدر الله تعالى وأن الله هدى ووفق بعضا، وأضل وخذل بعضا في التقدير والتكوين، فلا ينافي ذلك ورود الآية ونظائرها في معنى النعي على الموصوفين بذلك والتشنيع بحالهم لأن ذلك باعتبار ما لهم من الميل والاكتساب، وبالتحقيق القدرة على الفعل والترك التي هي دون الخلق، فالله تعالى قدر الشرور وأوجد في الناس القدرة على فعلها ولكنه نهاهم عنها لأنه أوجد في الناس القدرة على تركها أيضا، فلا تعارض بين القدر والتكليف إذ كل راجع إلى جهة خلاف ما توهمته القدرية فنفوا القدر وهو التقدير والعلم وخلاف ما توهمته المعتزلة من عدم تعلق قدرة الله تعالى بأفعال المكلفين ولا هي مخلوقة له وإنما المخلوق له ذواتهم وآلات أفعالهم، ليتوسلوا بذلك إلى إنكار صحة إسناد مثل هاته الأفعال إلى الله تعالى تنزيها له عن إيجاد الفساد، وتأويل ما ورد من ذلك: على أن ذلك لم يغن عنهم شيئا لأنهم قائلون بعلمه تعالى بأنهم سيفعلون وهو قادر على سلب القدر منهم فبتركه إياهم على تلك القدرة إمهال لهم على فعل القبيح وهو