أن يذكر أمره للسامعين، ولذلك جاء بهذه الجملة معطوفة بالواو إذ ليست الجملة المتقدمة مقتضية لها ولا مثيرة لمدلولها في نفوس السامعين، بخلاف جملة {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6] ترك عطفها على التي قبلها لأن ذكر مضمونها بعد المؤمنين كان مترقبا للسامع، فكان السامع كالسائل عنه فجاء الفصل للاستئناف البياني.
وقوله {وَمِنَ النَّاسِ} خبر مقدم لا محالة وقد يتراءى أن الإخبار بمثله قليل الجدوى لأنه إذا كان المبتدأ دالا على ذات مثله، أو معنى لا يكون إلا في الناس كان الإخبار عن المبتدأ بأنه من الناس أو في الناس غير مجد بخلاف قولك: الخضر من الناس، أي لا من الملائكة فإن الفائدة ظاهرة، فوجه الإخبار بقولهم من الناس في نحو الآية ونحو قول بعض أعزة الأصحاب في تهنئة لي بخطة القضاء:
| في الناس من ألقي قلادتها إلى |
خلف فحرم ما ابتغى وأباحـا |
إن القصد إخفاء مدلول الخبر عنه كما تقول قال هذا إنسان وذلك عندما يكون الحديث يكسب ذما أو نقصانا، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم
"ما بال أقوام يشترطون شروطا ليست في كتاب الله" وقد كثر تقديم الخبر في مثل هذا التركيب لأن في تقديمه تنبيها للسامع على عجيب ما سيذكر، وتشويقا لمعرفة ما يتم به الإخبار ولو أخر لكان موقعه زائدا لحصول العلم بأن ما ذكره المتكلم لا يقع إلا من إنسان كقول موسى بن جابر الحنفي:
| ومن الرجال أسنة مذروبة |
ومزندون وشاهد كالغائب |
وقد قيل إن موقع
{مِنَ النَّاسِ} مؤذن بالتعجب وإن أصل الخبر إفادة أن فاعل هذا الفعل من الناس لئلا يظنه المخاطب من غير الناس لشناعة الفعل، وهذا بعيد عن القصد لأنه لو كان كما قال لم يكن للتقديم فائدة بل كان تأخيره أولى حتى يتقرر الأمر الذي يوهم أن المبتدأ ليس
{مِنَ النَّاسِ} هذا توجيه هذا الاستعمال وذلك حيث لا يكون لظاهر الإخبار بكون المتحدث عنه من أفراد الناس كبير فائدة فإن كان القصد إفادة ذلك حيث يجهله المخاطب كقولك: من الرجال من يلبس برقعا، تريد الإخبار عن القوم المدعون بالملثمين من لمتونة، أو حيث ينزل المخاطب منزلة الجاهل كقول عبد الله بن الزبير بفتح الزاي وكسر الباء:
| وفي الناس إن رثت حبالك واصـل |
وفي الأرض عن دار القلى متحول |
إذا كان حال المخاطبين حال من يظن أن المتكلم لا يجد من يصله إن قطعه هو،