فيضره ضرا فصار حصول الضر للمعامل أمرا عرفيا لازما لمعامله، وبذلك صح استعمال يخادع في هذا المعنى مجازا أو كناية وهو من بناء المجاز على المجاز لأن المخادعة أطلقت أولا استعارة ثم نزلت منزلة الحقيقة فاستعملت مجازا في لازم المعنى المستعار له، فالمعنى وما يضرون إلا أنفسهم فيجري فيه الوجوه المتعلقة بإطلاق مادة الخداع على فعلهم، ويجيء تأويل معنى جعل أنفسهم شقا ثانيا للمخادعة مع أن الأنفس هي عينهم فيكون الخداع استعارة للمعاملة الشبيهة بفعل الجانبين المتخادعين بناء على ما شاع في وجدان الناس من الإحساس بأن الخواطر التي تدعو إلى ارتكاب ما تسوء عواقبه أنها فعل نفس هي مغايرة للعقل وهي التي تسول للإنسان الخير مرة والشر أخرى وهو تخيل بني على خطابة أخلاقية لإحداث العداوة بين المرء وبين خواطره الشريرة بجعلها واردة عليه من جهة غير ذاته بل من النفس حتى يتأهب لمقارعتها وعصيان أمرها ولو انتسبت إليه لما رأى من سبيل إلى مدافعتها، قال عمرو بن معد يكرب:
| فجاشت علي النفس أول مـرة |
فردت على مكروهها فاستقرت |
وذكر ابن عطية أن أبا علي الفارسي أنشد لبعض الأعراب:
| لم تدر ما لا ولست قائلهـا |
عمرك ما عشت آخر الأبد |
| ولم تؤامر نفسيك ممـتـريا |
فيها وفي أختها ولم تـكـد |
يريد بأختها كلمة "نعم" وهي أخت "لا" والمراد أنها أخت في اللسان. وقلت ومنه قول عروة بن أذينة:
| وإذا وجدت لها وساوس سلـوة |
شفع الفؤاد إلى الضمير فسلها |
فكأنهم لما عصوا نفوسهم التي تدعوهم للإيمان عند سماع الآيات والنذر إذ لا تخلو النفس من أوبة إلى الحق جعل معاملتهم لها في الإعراض عن نصحها وإعراضها عنهم في قلة تجديد النصح لهم وتركهم في غيهم كالمخادعة من هذين الجانبين.
واعلم أن قوله:
{وَمَا يَخْادَعُونَ إِلاَّ أَنْفُسَهُمْ} أجمعت القراءات العشر على قراءته بضم التحتية وفتح الخاء بعدها ألف والنفس في لسان العرب الذات والقوة الباطنية المعبر عنها بالروح وخاطر العقل.
وقوله:
{وَمَا يَشْعُرُونَ} عطف على جملة:
{وَمَا يَخْادَعُونَ} والشعور يطلق على العلم بالأشياء الخفية، ومنه سمى الشاعر لعلمه بالمعاني التي لا يهتدي إليها كل