First Previous Next Last

وإسناد الإضلال إلى الله تعالى مراعي فيه أنه الذي مكن الضالين من الكسب والاختيار بما خلق لهم من العقول وما فصل لهم من أسباب الخير وضده. وفي اختيار إسناده إلى الله تعالى مع صحة إسناده لفعل الضال إشارة إلى أنه ضلال متمكن من نفوسهم حتى صار كالجبلة فيهم فهم مأيوس من اهتدائهم كما قال تعالى: {خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} فإسناد الإضلال إلى الله تعالى منظور فيه إلى خلق أسبابه القريبة والبعيدة وإلا فإن الله أمر الناس كلهم بالهدى وهي مسألة مفروغ منها في علم الكلام.
وقوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ} إما مسوق لبيان أن للفسق تأثيرا في زيادة الضلال لأن الفسق يرين على القلوب ويكسب النفوس ظلمة فتتساقط في الضلال المرة بعد الأخرى على التعاقب، حتى يصير لها دربة. وهذا الذي يؤذن به التعليق على وصف المشتق إن كان المراد به هنا المعنى الاشتقاقي، فكأنه قيل هؤلاء فاسقون وما من فاسق إلا وهو ضال فما ثبت الضلال إلا بثبوت الفسق على نحو طريقة القياس الاقتراني، وإما مسوق لبيان أن الضلال والفسق أخوان فحيثما تحقق أحدهما أنبأ بتحقق الآخر على نحو قياس المساواة إذا أريد من الفاسقين المعنى اللقبي المشهور فلا يكون له إيذان بتعليل. وإما لبيان أن الإضلال المتكيف في إنكار الأمثال إضلال مع غباوة فلا يصدر إلا من اليهود وقد عرفوا بهذا الوصف.
والقول في مذاهب علماء الإسلام في الفسق وتأثيره في الإيمان ليس هذا مقام بيانه إذ ليس هو المقصود من الآية.
فإن كان محمل الفاسقين على ما يشمل المشركين واليهود الذين طعنوا في ضرب المثل كان القصر في قوله: {وَمَا يُضِلُّ بِهِ} الخ بالإضافة إلى المؤمنين ليحصل تمييز المراد من المضلل والمهتدي. وإن كان محمل الفاسقين على اليهود كان القصر حقيقيا ادعائيا أي يضل به كثيرا وهم الطاعنون فيه وأشدهم ضلالا هم الفاسقون، ووجه ذلك أن المشركين أبعد عن الاهتداء بالكتاب لأنهم في شركهم، وأما اليهود فهم أهل كتاب وشأنهم أن يعلموا أفانين الكتب السماوية وضرب الأمثال فإنكارهم إياها غاية الضلال فكأنه لا ضلال سواه.
وجملة {الَّذِينَ يَنْقُضُونَ} إلى آخره صفة للفاسقين لتقرير اتصافهم بالفسق لأن هاته الخلال من أكبر أنواع الفسوق بمعنى الخروج عن أمر الله تعالى. وجوز أن تكون مقطوعة مستأنفة على أن الذين مبتدأ وقوله {أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ} خبر وهي مع ذلك لا