تلك الاستطاعة مبدأ طور جديد هو المشار إليه بقوله {ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ} [التين:5]
ثم هداه بواسطة الشرائع فصار باتباعها يبلغ إلى مراتب الملائكة ويرجع إلى تقويمه الأول وذلك معنى قوله: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} [التين: 6] وقد أشير إلى هذا الطور الأخير بقوله فيما يأتي {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ} [البقرة: 38] الآية.
وجملة {بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} إما مستأنفة استئنافا ابتدائيا وإما جملة حال من ضمير {اهْبِطُوا} وهي اسمية خلت من الواو، وفي اعتبار الجملة الاسمية الخالية من الواو حالا خلاف بين أئمة العربية منع ذلك الفراء والزمخشري وأجازه ابن مالك وجماعة. والحق عندي أن الجملة الحالية تستغني بالضمير عن الواو وبالواو عن الضمير فإذا كانت في معنى الصفة لصاحبها اشتملت على ضميره أو ضمير سببيه فاستغنت عن الواو نحو الآية ونحو جاء زيد يده على رأسه أو أبوه يرافقه، وإلا وجبت الواو إذ لا رابط حينئذ غيرها نحو جاء زيد والشمس طالعة وقول تأبط شرا:
| فخالط سهل الأرض لم يكدح الصفا |
به كدحة والموت خزيان ينـظـر |
وقوله:
{وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ} ضميره راجع إلى ما رجع إليه ضمير
{اهْبِطُوا} على التقادير كلها. والحين الوقت والمراد به وقت انقراض النوع الإنساني والشيطاني بانقراض العالم، ويحتمل أن يكون المراد من ضمير
{لَكُمْ} التوزيع أي ولكل واحد منكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين. وإنما كان ذلك متاعا لأن الحياة أمر مرغوب لسائر البشر على أن الحياة لا تخلو من لذات وتمتع بما وهبنا الله من الملائمات. هذا إن أريد بالخبر المجموع أي لجميعكم وإن أريد به التوزيع فالحين هو وقت موت كل فرد على حد قولك للجيش هذه الأفراس لكم أي لكل واحد منكم فرس.
[37] {فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ} جاء بالفاء إيذانا بمبادرة آدم بطلب العفو. والتلقي استقبال إكرام ومسرة قال تعالى
{وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ} [الانبياء: 103] ووجه دلالته على ذلك أنه صيغة تفعل من لقيه وهي دالة على التكلف لحصوله وتطلبه وإنما يتكلف ويتطلب لقاء الأمر المحبوب بخلاف لاقي فلا يدل على كون الملاقي محبوبا بل تقول لاقي العدو واللقاء الحضور نحو الغير بقصد أو بغير قصد وفي خير أو شر، قال تعالى:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً} [لأنفال: 15] الآية فالتعبير بتلقي هنا مؤذن بأن الكلمات التي أخذها آدم كلمات نافعة له