لقومهم والمناسبة أن الذي صدهم عن قبول دعوة الإسلام هو خشيتهم أن تزول رئاستهم في قومهم فكانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة قومهم فتبقى رئاستهم عليهم، قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لو آمن بي عشرة من اليهود لآمن بي اليهود كلهم".
والاشتراء تقدم عند قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ} [البقرة: 16] وهو اعتياض أعيان بغيرها مثلها أو ثمنها من النقدين ونحوهما كأوراق المال والسفاتج وقد استعير الاشتراء هنا لاستبدال شيء بآخر دون تبايع.
والآيات جمع آية وأصلها في اللغة العلامة على المنزل أو على الطريق قال النابغة:
| توهمت آيات لها فعرفتها |
لستة أعوام وذا العام سابع |
ثم أطلقت الآية على الحجة لأن الحجة علامة على الحق قال الحارث ابن حلزة:
| من لنا عنده من الخـير آيا |
تٌ ثلاث في كلهن القضاء |
ولذلك سميت معجزة الرسول آية كما في قوله تعالى:
{فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ} [النمل: من الآية12]
{وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ} [لأعراف: من الآية203]، وأطلقت أيضا على الجملة التامة من القرآن قال تعالى:
{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ} [آل عمران: من الآية7] وفي الحديث الصحيح قال رسول الله
:"أما تكفيك آية الصيف" {يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ} [النساء: من الآية176] لأن جمل القرآن حجة على صدق الرسول لأن بلاغتها معجزة. وأما إطلاق آية على الجملة من التوراة في حديث الرجم في قول الراوي فوضع المدارس يده على آية الرجم فذلك مجاز على مجاز لعلاقة المشابهة. ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشتري في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته، ففي
{تَشْتَرُوا} استعارة تحقيقية في الفعل، ويجوز كون
{تَشْتَرُوا} مجازا مرسلا بعلاقة اللزوم أو بعلاقة الاستعمال المقيد في المطلق كما تقدم في قوله تعالى:
{أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى} [البقرة: من الآية16]، لكن هنا الاستعارة متأتية فهي أظهر لظهور علاقة المشابهة واستغناء علاقة المشابهة عن تطلب وجه العدول عن الحقيقة إلى المجاز لأن مقصد التشبيه وحده كاف في العدول إلى الاستعارة، إذ التشبيه من مقاصد البلغاء.
وإذ قد كان فعل الاشتراء يقتضي شيئين أبدل أحدهما بالآخر جعل العوض المرغوب فيه هو المشتري وهو المأخوذ ويعدى إلى الفعل بنفسه، وجعل العوض الآخر هو المدفوع