First Previous Next Last

الابتلاء في الأموال والنفس فيشمل الجهاد، وأما الصبر على الأذى ففي وقتي الحرب والسلم، فليست الآية مقتضية عدم الإذن بالقتال من حيث إنه أمرهم بالصبر على أذى الكفار حتى تكون منسوخة بآيات السيف، لأن الظاهر أن الآية نزلت بعد وقعة أحد، وهي بعد الأمر بالقتال. قاله القفال.
وقوله: {فَإِنَّ ذَلِكَ} الإشارة إلى ما تقدم من الصبر والتقوى بتأويل: فإن المذكور. و عزم الأمور من إضافة الصفة إلى الموصوف أي الأمور العزم، ووصف الأمور وهو جمع بعزم وهو مفرد لأن أصل عزم أنه مصدر فيلزم لفظه حالة واحدة، وهو هنا مصدر بمعنى المفعول، أي من الأمور المعزوم عليها. والعزم إمضاء الرأي وعدم التردد تبيين السداد. قال تعالى {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران: 159] والمراد هنا العزم في الخيرات قال تعالى {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} [الأحقاف: 35] وقال: {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً} [طه: 115].
ووقع قوله فإن ذلك من عزم الأمور دليلا على جواب الشرط، والتقدير: وإن تصبروا وتتقوا تنالوا ثواب أهل العزم {فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ}.
{وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ} [187].
معطوف على قوله: {وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ} [آل عمران: 186] فإن تكذيب الرسول من أكبر الأذى للمسلمين. وإن الطعن في كلامه وأحكام شريعته من ذلك كقولهم: {إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ} [آل عمران: 181] والقول في معنى أخذ الله تقدم في قوله: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ} [البقرة: 34] ونحوه.
و {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} هم اليهود، وهذا الميثاق أخذ على سلفهم من عهد رسولهم وأنبيائهم، وكان فيه ما يدل على عمومه لعلماء أمتهم في سائر أجيالهم إلى أن يجيء رسول.
وجملة {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ} بيان الميثاق،فهي حكاية اليمين حين اقترحت عليهم، ولذلك جاءت بصيغة خطابهم بالمحلوف عليه كما قرأ بذلك الجمهور، وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو، وأبو بكر عن عاصم: ليبيننه بياء الغيبة على طريقة الحكاية بالمعنى، حيث