First Previous Next Last

سقيناهم كأسا سقونا بمثلها ولكنهم كانوا على الموت أصبرا

فالمصابرة هي سبب نجاح الحرب كما قال شاعر العرب الذي لم يعرف اسمه:
هل أنت في الهيجا مصابرة يصلى بها كل من عاداك نيرانا

وقوله: {ورابطوا} أمر لهم بالمرابطة، وهي مفاعلة من الربط، وهو ربط الخيل للحراسة عن غير الجهاد خشية أن يفجأهم العدو، أمر الله به المسلمين ليكونوا دائما على حذر من عدوهم تنبيها لهم على ما يكبد به المشركون من مفاجاتهم على غرة بعد وقعة أحد كما قدمناه آنفا، وقد وقع ذلك منهم في وقعة الأحزاب فلما أمرهم الله بالجهاد أمرهم بأن يكونوا بعد ذلك أيقاظا من عدوهم. وفي كتاب الجهاد من البخاري: باب فضل رباط يوم في سبيل الله وقول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا} الخ. وكانت المرابطة معروفة في الجاهلية وهي ربط الفرس للحراسة في الثغور أي الجهات التي يستطيع العدو الوصول منها إلى الحي مثل الشعاب بين الجبال. وما رأيت من وصف ذلك مثل لبيد في معلقته إذ قال:
ولقد حميت الحي تحميل شكتي فرط وشاحي إذ غدوت لجامها
فعلوت مرتقبا على ذي هبوة حرج إلى إعلامهن قتامها
حتى إذا ألفت يدا في كافر واجن عورات الثغور ظلامها

فذكر انه حرس الحي على مكان مرتقب، أي عال بربط فرسه في الثغر.وكان المسلمون يرابطون في ثغور بلاد فارس والشام والأندلس في البر، ثم لما اتسع سلطان الإسلام وامتلكوا البحار صار الرباط في ثغور البحار وهي الشطوط التي يخشى نزول العدو منها: مثل رباط المنستير بتونس بإفريقية، رباط سلا بالمغرب، وربط تونس ومحارسها: مثل محروس علي بن سالم قرب صفاقس. فأمر الله بالرباط كما أمر بالجهاد بهذا المعنى. وقد خفي على بعض المفسرين فقال بعضهم: أراد بقوله: {ورابطوا} إعداد الخيل مربوطة للجهاد، قال: ولم يكن في زمن النبي صلى الله عليه وسلم غزو في الثغور. وقال بعضهم: أراد بقوله: {ورابطوا} انتظار الصلاة بعد الفراغ من التي قبلها، لما روى مالك في الموطأ، عن أبي هريرة: أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر انتظار الصلاة بعد الصلاة، وقال: "فذلكم الرباط، فذلكم الرباط". ونسب هذا لأبي سلمة بن عبد الرحمان. قال ابن عطية: والحق أن معنى هذا الحديث على التشبيه، كقوله "ليس الشديد بالصرعة" وقوله "ليس المسكين بهذا الطواف الذي ترده اللقمة واللقمتان"، أي وكقوله صلى الله عليه وسلم "رجعنا من