First Previous Next Last

في بيت، فكل واحد منهما زوج للآخر بهذا الاعتبار، وإن كان أصل لفظ الزوج أن يطلق على مجموع الفردين، فإطلاق الزوج على كل واحد من الرجل والمرأة المتعاقدين تسامح صار حقيقة، عرفية، ولذلك استوى الرجل والمرأة لأنه من الوصف بالجامد، فلا يقال للمرأة زوجة، ولم يسمع في فصيح الكلام، ولذلك عده بعض أهل اللغة لحنا. وكان الأصمعي ينكره أشد الإنكار. قيل له: فقد قال ذو الرمة:

أذو زوجة أم ذو خصـومة  

أراك لها بالبصرة العام ثاويا

فقال: إن الرمة أكل المالح والبقل في حوانيت البقالين، يريد أنه مولده.
وقال الفرزدق:

وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي 

كساع إلى أسد الشرى يستبيلها

وشاع ذلك في كلام الفقهاء، قصدوا به التفرقة بين الرجل والمرأة عند ذكر الأحكام، وهي تفرقة حسنة. وتقدم عند قوله تعالى {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ} في سورة البقرة [35].
وقد شمل قوله {وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا} العبرة بهذا الخلق العجيب الذي أصله واحد، ويخرج هو مختلف الشكل والخصائص، والمنة على الذكران بخلق النساء لهم، والمنة على النساء بخلق الرجال لهم، ثم من على النوع بنعمة النسل في قوله {وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاءً} مع ما في ذلك من الاعتبار بهذا التكوين العجيب.
والبث: النشر والتفريق للأشياء الكثيرة قال تعالى {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ} [القارعة:4].
ووصف الرجال، وهو جمع، بكثير، وهو مفرد، لأن كثير يستوي فيه المفرد والجمع، وقد تقدم في قوله تعالى {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ} في سورة آل عمران [146] البث من الكثرة.
{وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً}[1].
شروع في التشريع المقصود من السورة، وأعيد فعل {اتقوا}: لأن هذه التقوى مأمور بها المسلمون خاصة، فإنهم قد بقيت فيهم بقية من عوائد الجاهلية لا يشعرون بها،