حقيقة باعتبار كونه بين أيديهم، وأوتوا نصيبا منه باعتبار جريان أعمالهم على خلاف ما جاء به كتابهم، فالذي لم يعملوا به منه كأنهم لم يؤتوه.
وجيء بالصلتين في قوله{بِمَا نَزَّلْنَا} وقوله {لِمَا مَعَكُمْ} دون الاسمين العلمين، وهما: القرآن والتوراة: لما في قوله {بِمَا نَزَّلْنَا} من التذكير بعظم شأن القرآن أنه منزل بإنزال الله، ولما في قوله لما معكم من التعريض بهم في أن التوراة كتاب مستصحب عندهم لا يعلمون منه حق علمه ولا يعملون بما فيه، على حد قوله كمثل الحمار يحمل أسفارا.
وقوله {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً} تهديد أو وعيد، ومعنى {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ} أي آمنوا في زمن يبتدئ من قبل الطمس، أي من قبل زمن الطمس على الوجوه، وهذا تهديد بأن يحل بهم أمر عظيم، وهو يحتمل الحمل على حقيقة الطمس بأن يسلط الله عليهم ما يفسد به محياهم فإن قدرة الله صالحة لذلك، ويحتمل أن يكون الطمس مجازا على إزالة ما به كمال الإنسان من استقامة المدارك فإن الوجوه مجامع الحواس.
والتهديد لا يقتضي وقوع المهدد به، وفي الحديث "أما يخشى الذي يرفع رأسه قبل الإمام أن يجعل الله وجهه وجه حمار" .
وأصل الطمس إزالة الآثار الماثلة. قال كعب:
|
عرضتها طامس الأعلام مجهول |