وكان للأمين حق عند المؤتمن جحده إياه: إنه لا يجوز له أخذ الأمانة عوض حقه لأن ذلك خيانة، ومنعه مالك في المدونة، وعن ابن عبد الحكم: أنه يجوز له أن يجحده بمقدار ما عليه له، وهو قول الشافعي. قال الطبري عن ابن عباس، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب، ومكحول: أن المخاطب ولاة الأمور، أمرهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها. وقيل: نزلت في أمر عثمان بن طلحة بن أبي طلحة.
وأهل الأمانة هم مستحقوها، يقال: أهل الدار، أي أصحابها. وذكر الواحدي في أسباب النزول، بسند ضعيف: أن الآية نزلت يوم فتح مكة إذ سلم عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة العبدري الحجبي كفتاح الكعبة للنبي صلى الله عليه وسلم وكانت سدانة الكعبة بيده، وهو من بني عبد الدار وكانت السدانة فيهم، فسأل العباس بن عبد المطلب من رسول الله أن يجعل له سدانة الكعبة يضمها من السقاية، وكانت السقاية بيده، وهي في بني هاشم، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عثمان بن طلحة وابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فدفع لهما مفتاح الكعبة وتلا هذه الآية، قال عمر ابن الخطاب: وما كنت سمعتها منه قبل ذلك، وقال النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن طلحة "خذوها خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلا ظالم"، ولم يكن أخذ النبي صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة أخذ انتزاع، ولكنه أخذه ينتظر الوحي في شأنه، لأن كون المفتاح بيد عثمان بن طلحة مستصحب من قبل الإسلام، ولم يغير الإسلام حوزه إياه، فلما نزلت الآية تقرر حق بني عبد الدار فيه بحكم الإسلام، فبقيت سدانة الكعبة في بني عبد الدار، ونزل عثمان بن طلحة عنها لابن عمه شيبة بن عثمان، وكانت السدانة من مناصب قريش في الجاهلية1 فأبطل النبي صلى الله عليه وسلم بعضها في خطبة يوم الفتح أو حجة الوداع، ما عدا السقاية والسدانة.
فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة، لأن عثمان سلم مفتاح الكعبة للنبي صلى الله عليه وسلم دون أن يسقط حقه.
ــــــــــــ
1 مناصب قريش في الجاهلية وتسمى مآثر قريش هي: السقاية وهي سقي الحجيج من ماء زمزم وكانت لبني هاشم والسدانة بكسر السين وهي حجابة الكعبة وهي لبني عبد الدار والسفارة لبني عدي والرفادة بكسر الراء وهي أموال تجمعها قريش لإعانة الجاج المعوزين وهي لبني نوفل والديات والحمالات وهي لبني تيم والراية تسمى العقاب وهي لبني أمية والمشورة لبني أسد بن عبد العزى والأعنة والقبة وهي شئون الحرب كانوا يضربون قبة ويجتمعون إليها عند تجهيز الجيوش وهي لبني مخزوم والحكومة وأموال الآلهة لبني سهم والإزلام لبني حمج.