فإن قلت: إذا كان كذلك فهؤلاء القوم قد علم الله أنهم لا يؤمنون وأخبر بنفي أن يهديهم وأن يغفر لهم، فإذن لا فائدة في الطلب منهم أن يؤمنوا بعد هذا الكلام، فهل هم مخصوصون من آيات عموم الدعوة.
قلت: الأشخاص الذين علم الله أنهم لا يؤمنون، كأبي جهل، ولم يخبر نبيه بأنهم لا يؤمنون فهم مخاطبون بالإيمان مع عموم الأمة، لأن علم الله تعالى بعدم إيمانهم لم ينصب عليه أمارة، كما علم من مسالة التكليف بالمحال لعارض في أصول الفقه، وأما هؤلاء فلو كانوا معروفين بأعيانهم لكانت هذه الآية صارفة عن دعوتهم إلى الإيمان بعد، وإن لم يكونوا معروفين بأعيانهم فالقول فيهم كالقول فيمن علم الله عدم إيمانه ولم يخبر به، وليس ثمة ضابط يتحقق به أنهم دعوا بأعيانهم إلى الإيمان بعد هذه الآية ونحوها.
والنفي في قوله {لََمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ} أبلغ من: لا يغفر الله لهم، لأن أصل وضع هذه الصيغة للدلالة على أن اسم كان لم يجعل ليصدر منه خبرها، ولا شك أن الشيء الذي لم يجعل لشيء يكون نابيا عنه، لأنه ضد طبعه، ولقد أبدع النحاة في تسمية اللام، التي بعد كان المنفية لام الجحود.
[141,138]{بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}.
استئناف ابتدائي ناشيء عن وصف الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفرا، فإن أولئك كانوا مظهرين الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم، وكان ثمة طائفة تبطن الكفر وهم أهل النفاق، ولما كان التظاهر بالإيمان ثم تعقيبه بالكفر ضربا من التهكم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكم إذ قال {بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ}، فإن البشارة هي الخبر بما يفرح المخبر به، وليس العذاب كذلك. وللعرب في التهكم أساليب كقول شقيق ابن سليك الأسدي: