First Previous Next Last

{مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً}[147].
تذييل لكلتا الجملتين: جملة إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار مع الجملة المتضمنة لاستثناء من يتوب منهم ويؤمن، وما تضمنته من التنويه بشأن المؤمنين من قوله {وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً} [النساء:146].
والخطاب يجوز أن يراد به جميع الأمة، ويجوز أن يوجه إلى المنافقين على طريقة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب ارتفاقا بهم.
والاستفهام في قوله {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ} أريد به الجواب بالنفي فهو إنكاري، أي لا يفعل بعذابكم شيئا.
ومعنى {يفعل} يصنع وينتفع، بدليل تعديته بالباء. والمعنى أن الوعيد الذي توعد به المنافقون إنما هو على الكفر والنفاق، فإذا تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله غفر لهم العذاب، فلا يحسبوا أن الله يعذبهم لكراهة في ذاتهم أو تشف منهم، ولكنه جزاء لاسوء، لأن الحكيم يضع الأشياء مواضعها، فيجازي على الإحسان بالإحسان، وعلى الإساءة بالإساءة، فإذا أقلع المسيء عن الإساءة أبطل الله جزاءه بالسوء، إذ لا ينتفع بعذاب ولا بثواب، ولكنها المسببات تجري على الأسباب. وإذا كان المؤمنون قد ثبتوا على إيمانهم وشكرهم، وتجنبوا موالاة المنافقين والكافرين، فالله لا يعذبهم، إذ لا موجب لعذابهم.
وجملة {وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} اعتراض في آخر الكلام، وهو إعلام بأن الله لا يعطل الجزاء الحسن عن الذين يؤمنون به ويشكرون نعمه الجمة، والإيمان بالله وصفاته أول درجات شكر العبد ربه.
[149,148] {لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً عَلِيماً إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً}.
موقع هذه الآية عقب الآي التي قبلها: أن الله لما شوه حال المنافقين وشهر بفضائحهم تشهيرا طويلا، كان الكلام السابق بحيث يثير في نفوس السامعين نفورا من النفاق وأحواله، وبغضا للملموزين به، وخاصة بعد أن وصفهم باتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، وأنهم يستهزئون بالقرآن، ونهى المسلمين عن القعود معهم، فحذر الله