والأماكن وقد أرشد إلى ذلك حديث أبي داود: أن رجلا أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال إني فقير وليس لي شيء قال "كل من مال يتيمك غير مسرف ولا مبادر ولا متأثل". وفي صحيح مسلم عن عائشة: نزلت الآية في ولي اليتيم إذا كان محتاجا أن يأكل منه بقدر ماله بالمعروف، ولذلك قال المالكية: يأخذوا الوصي بقدر أجرة مثله، وقال عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبو عبيدة، وابن جبير، والشعبي، ومجاهد: إن الله أذن في القرض لا غير. قال عمر إني نزلت نفسي من مال الله منزلة الوصي من مال اليتم، إن استغنيت استعففت وإن احتجت أكلت بالمعروف، فإذا أيسرت قضيت. وقال عطاء، وإبراهيم: لا قضاء على الوصي إن أيسر. وقال الحسن، والشعبي، وابن عباس، في رواية: إن معناه أن يشرب اللبن ويأكل من الثمر ويهنأ الجربى من إبله ويلوط الحوض. وقيل: إنما ذلك عند الاضطرار كأكل الميتة والخنزير: روي عن عكرمة، وابن عباس، والشعبي، وه أضعف الأقوال لأن الله ناط الحكم بالفقر لا بالاضطرار، وناطه بمال اليتيم، والاضطرار لا يختص بالتسليط على مال اليتيم بل على كل مال. وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يأخذ إلا إذا سافر من أجل اليتيم يأخذ قوته في السفر. واختلف في وصي الحاكم هل هو مثل وصي الأب. فقال الجمهور: هما سواء، وهو الحق، وليس في الآية تخصيص.
ثم اختلفوا في الوصي الغني هل يأخذ أجر مثله على عمله بناء على الخلاف في أن الأمر في قوله {فليستعفف} للوجوب أو للندب، فمن قال للوجوب قال: لا يأكل الغني شيئا، وهذا قول كلمن منعه الانتفاع بأكثر من السلف والشيء القليل، وهم جمهور تقدمت أسماءهم. وقيل: الأمر للندب فإذا أراد أن يأخذ أجر مثله جاز له إذا كان له عمل وخدمة، أما إذا كان عمله مجرد التفقد لليتيم والإشراف عليه فلا أجر له.
وهذا كله بناء على الآية محكمة. ومن العلماء من قال: هي منسوخة بقوله تعالى {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً} [النساء:10] الآية، وقوله {وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ} [البقرة:188] وإليه مال أبو يوسف، وهو قول مجاهد، وزيد بن أسلم.
ومن العلماء من سلك بالآية مسلك التأويل فقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: المراد فمن كان غنيا أي من اليتامى، ومن كان فقيرا كذلك، وهي بيان لكيفية الإنفاق على اليتامى فالغني يعطي كفايته، والفقير يعطي بالمعروف، وهو بعيد، فإن فعل استعفف: