والمقصود من هذا: الإرشاد إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة. ولا يميل الشهوات إلى ما في الأفعال م ملائم، حتى يسبره بمسبار الرأي، فيتحقق سلامة حسن الظاهر من سوء خفايا الباطن.
واقتصر هنا على مقاربة حصول الكراهية لشيء فيه خير كثير، دون مقابلة، كما في آية البقرة [216] {وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ} لأن المقام في سورة البقرة مقام بيان الحقيقة بطرفيها إذ المخاطبون فيها كرهوا القتال، وأحبوا السلم، فكان حالهم مقتضيا بيان أن القتال قد يكون هو الخير لما يحصل بعده من أمن دائم، وخد شوكة العدو، وأن السلم قد يكون شرا لما يحصل معها من استخفاف الأعداء بهم، وطمعهم فيهم، وذهاب عزهم المفضي إلى استعبادهم، أما المقام في هذه السورة فهو لبيان حكم من حدث بينه وبين زوجه ما كره فيها، ورام فراقها، وليس له مع ذلك ميل إلى غيرها، فكان حاله مقتضيا بيان ما في كثير من المكروهات من الخيرات، ولا يناسب أن يبين له أن في بعض الأمور المحبوبة شرورا لكونه فتحا لباب التعلل لهم بما يأخذون من الطرف الذي يميل إليه هواهم. وأسند جعل الخير في المكروه هنا لله بقوله {وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً} المقتضي أنه جعل عارض لمكروه خاص، وفي سورة البقرة [216] قال {وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ} لأن تلك بيان لما يقارن بعض الحقائق من الخلفاء في ذات الحقيقة، ليكون رجاء الخير من القتال مطردا في جميع الأحوال غي حاصل يجعل عارض، بخلاف هذه الآية، فإن الصبر على الزوجة المؤذية أو المكروهة إذا كان لأجل امتثال أمر الله بحسن معاشرتهن، يكون جعل الخير في ذلك جزءا من الله على الامتثال.
{وَإِنْ أَرَدْتُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا[20] وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا} [21].
لا جرم أن الكراهية تعقبها إرادة استبدال المكروه بضده، فلذلك عطف الشرط على الذي قبله استطرادا واستيفاء للأحكام.
فالمراد بالاستبدال طلاق المرأة السابقة وتزوج امرأة أخرى.
والاستبدال: التبديل. وتقدم الكلام عليه عند قوله تعالى قال {أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ} في سورة البقرة [61]. أي أن لم يكن سبب للفراق إلا إرادة استبدال