من الجو ما يشبه المطر، وليس هو بمطر، فلا يقال: هم ممطرون، ولكن يقال: هم ممطرون، كما قال تعالى: {وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ} [الحجر: 74] وقال: {فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ} [الأنفال: 32] كذا قال الزمخشري هنا وقال، في سورة الأنفال: قد كثر الإمطار في معنى العذاب، وعن أبي عبيدة أن التفرقة بين مطر وأمطر أن مطر للرحمة وأمطر للعذاب. وأما قوله تعالى في سورة الأحقاف: [24] {قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا} فهو يعكر على كلتا التفرقتين، ويعين أن تكون التفرقة أغلبية.
وكان الذي أصاب قوم لوط حجرا وكبريتا من أعلى القرى كما في التوراة وكان الدخان يظهر من الأرض مثل دخان الأتون، وقد ظن بعض الباحثين أن آبار الحمر التي ورد في التوراة أنها كانت في عمق السديم، كانت قابلة للالتهاب بسبب زلازل أو سقوط صواعق عليها. وقد ذكر في آية أخرى، في القرآن: أن الله جعل عالي تلك القرى سافلا، وذلك هو الخسف وهو من آثار الزلازل، ومن المستقرب أن يكون البحر الميت هنالك قد طغى على هذه الآبار أو البراكين من آثار الزلزال.
وتنكير: {مَطَراً} للتعظيم والتعجيب أي: مطرا عجيبا من شانه أن يهلك القرى.
وتفرع عن هذه القصة العجيبة الأمر بالنظر في عاقبتهم بقوله: {فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ} فالأمر للإرشاد والاعتبار. والخطاب يجوز أن يكون لغير معين بل لكل من يتأتى منه الاعتبار، كما هو شان إيراد التذييل بالاعتبار عقب الموعظة، لأن المقصود بالخطاب كل من قصد بالموعظة، ويجوز أن يكون الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم تسلية له على ما يلاقيه من قومه الذين كذبوا بأنه لا ييأس من نصر الله، وأن شأن الرسل انتظار العواقب.
والمجرمون فاعلوا الجريمة، وهي المعصية والسيئة، وهذا ظاهر في أن الله عاقبهم بذلك العقاب على هذه الفاحشة، وأن لوطا عليه السلام أرسل لهم لنهيهم عنها، لا لأنهم مشركون بالله، إذ لم يتعرض له في القرآن بخلاف ما قص عن الأمم الأخرى، لكن تمالئهم على فعل الفاحشة واستحلالهم إياها يدل على أنهم لم يكونوا مؤمنين بالله، وبذلك يؤذن قوله تعالى في سورة التحريم: [10] {ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ}، فيكون إرسال لوط عليه السلام بإنكار تلك الفاحشة ابتداء بتطهير نفوسهم، ثم يصف لهم الإيمان، إذ لا شك أن لوطا عليه السلام بلغهم الرسالة عن الله تعالى، وذلك يتضمن أنه دعاهم إلى الإيمان، إلا أن اهتمامه الأول كان بإبطال هذه الفاحشة، ولذلك وقع الاقتصار في إنكاره عليهم ومجادلتهم إياه على ما يخص تلك الفاحشة، وقد علم أن
-