يهتدوا إلى أن انتفاء نزوله بهم معلق على انتفاء مشيئتنا وقوعه لحكمة، فيما بينهم وبين العذاب إلا أن نشاء أخذهم. والمصدر الذي تفيده "أن" المخففة، إذا كان اسمها ضمير شأن، يقدر ثبوتا متصيدا مما في "أن" وخبرها من النسبة المؤكدة، وهو فاعل {يَهْدِ} فالتقدير في الآية: أو لم يهد للذين يرثون الأرض من بعد أهلها ثبوت هذا الخبر المهم وهو {لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ}.
والمعنى: اعجبوا كيف لم يهتدوا إلى أن تأخير العذاب عنهم هو بمحض مشيئتنا وأنه يحق عليهم عندما نشاؤه.
وجملة {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ} ليست معطوفة على جملة {أَصَبْنَاهُمْ} حتى تكون في حكم جواب "لو" لأن هذا يفسد المعنى، فإن هؤلاء الذين ورثوا الأرض من بعد أهلها فقد طبع على قلوبهم فلذلك لم تجد فيهم دعوة محمد صلى الله عليه وسلم منذ بعث إلى زمن نزول هذه السورة، فلو كان جوابا لـ"لو" لصار الطبع على قلوبهم ممتنعا وهذا فاسد، فتعين: إما أن تكون جملة {وَنَطْبَعُ} معطوفة على جملة الاستفهام برمتها فلها حكمها من العطف على أخبار الأمم الماضية والحاضرة.
والتقدير: وطبعنا على قلوبهم، ولكنه صيغ بصيغة المضارع للدلالة على استمرار هذا الطبع وازدياده آنا فآنا، وإ'ما أن تجعل "الواو" للاستئناف والجملة مستأنفة، أي: ونحن نطبع على قلوبهم في المستقبل كما طبعنا عليها في الماضي. ويعرف الطبع عليها في الماضي بأخبار أخرى كقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ} [البقرة: 6] الآية، فتكون الجملة تذييلا لتنهية القصة، ولكن موقع الواو في أول الجملة يرجح الوجه الأول، وكأن صاحب المفتاح يأبى اعتبار الاستئناف من معاني الواو.
وجملة {فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ} معطوفة بالفاء على {وَنَطْبَعُ} متفرعا عليه، والمراد بالسماع فهم مغزى المسموعات لا استكاك الآذان، بقرينة قوله {وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ}. وتقدم معنى الطبع عند قوله تعالى: {بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ} في سورة النساء [155].
[102,101] {تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الْكَافِرِينَ وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ}.
لما تكرر ذكر القرى التي كذب أهلها رسل الله بالتعيين وبالتعميم، صارت للسامعين