First Previous Next Last

و{مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ}: ما شاده من المصانع، وإسناد الصنع إليه مجاز عقلي لانه الآمر بالصنع، وأما إسناده إلى قوم فرعون فهو على الحقيقة العقلية بالنسبة إلى القوم لا بالنسبة إلى كل فرد على وجه التغليب.
و{يَعْرِشُونَ} ينشئون من الجنات ذات العرايش. والعريش: ما يرفع من دوالي الكروم، ويطلق أيضا على ا لنخلات العديدة تربى في أصل واحد ولعل جنات القبط كانت كذلك كما تشهد به بعض الصور المرسومة على هياكلهم نقشا ودهنا، وقد تقدم في قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} في سورة الأنعام [141]، وفعله عرش - من بابي ضرب ونصر - وبالأول قرأ الجمهور، وقرأ بالثاني ابن عامر، وأبو بكر عن عاصم، وذلك أن الله خرب ديار فرعون وقومه المذكورين، ودمر جناتهم بما ظلموا بالاهمال، أو بالزلزال، أو على أيدي جيوش أعدائهم الذين ملكوا مصر بعدهم، ويجوز أن يكون {يَعْرِشُونَ} بمعنى يرفعون أي يشيدون من البناء مثل مباني الاهرام والهياكل وهو المناسب لفعل {وَدَمَّرْنَا}، شبه البناء المرفوع بالعرش. ويجوز ان يكون يعرشون استعارة لقوة الملك والدولة ويكون دمرنا ترشيحا للاستعارة.
وفعل {كَانَ} في الصلتين دال على أن ذلك دأبه وهجيراه، أي ما عني به من الصنائع والجنات. وصيغة المضارع في الخبرين عن "كان" للدلالة على التجدد والتكرر.
[140,138] {وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرائيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهاً كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ * إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهاً وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ}.
لما تمت العبرة بقصة بعث موسى عليه السلام إلى فرعون وملئه، وكيف نصره الله على عدوه، ونصر قومه بني إسرائيل، وأهلك عدوهم كشأن سنة الله في نصر الحق على الباطل، استرسل الكلام إلى وصف تكوين أمة بني إسرائيل وما يحق أن يعتبر به من الأحوال العارضة لهم في خلال ذلك مما فيه طمأنينة نفوس المؤمنين الصالحين في صالح أعمالهم، وتحذيرهم مما يرمي بهم إلى غضب الله فيما يحقرون من المخالفات، لما في ذلك كله من التشابه في تدبير الله تعالى أمور عبيده، وسنته في تأييد رسله وأتباعهم، وإيقاظ نفوس الأمة إلى مراقبة خواطرهم ومحاسبة نفوسهم في شكر النعمة ودحض