First Previous Next Last

ومال إلى الأرض، والكلام تمثيل لحال المتلبس بالنقائص والكفر بعد الإيمان والتقوى، بحال من كان مرتفعا عن الأرض فنزل من اعتلاء إلى أسفل فبذكر الأرض علم أن الإخلاد هنا ركون إلى السفل أي تلبس بالنقائص والمفاسد.
واتباع الهوى ترجيح ما يحسن لدى النفس من النقائص المحبوبة، على ما يدعو إليه الحق والرشد، فالاتباع مستعار للاختيار والميل، والهوى شاع في المحبة المذمومة الخاسرة عاقبتها.
وقد تفرع على هذه الحالة تمثيله بالكلب اللاهث، لأن اتصافه بالحالة التي صيرته شبيها بحال الكلب اللاهث تفرع على إخلاده إلى الأرض واتباع هواه، فالكلام في قوة أن يقال: ولكنه أخلد إلى الأرض فصار في شقاء وعناد كمثل الكلب إلخ.
واستعمال القرآن لفظ المثل بعد كاف التشبيه مألوف بانه يراد به تشبيه الحالة بالحالة، وتقدم قوله تعالى: {مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً} في سورة البقرة [17]، فلذلك تعين أن التشبيه هنا لا يخرج عن المتعارف في التشبيه المركب، فهذا الضال تحمل كلفة اتباع الدين الصالح وصار يطلبه في حين كان غير مكلف بذلك في زمن الفترة فلقي من ذلك نصبا وعناء، فلما حان حين اتباع الحق ببعثة محمد صلى الله عليه وسلم تحمل مشقة العناد والإعراض عنه في وقت كان جديرا فيه بان يستريح من عنائه لحصول طلبته فكانت حالته شبيهة بحالة الكلب الموصوف باللهث، فهو يلهث في حالة وجود أسباب اللهث من الطرد والإرهاب والمشقة وهي حالة الحمل عليه، وفي حالة الخلو عن ذلك السبب وهي حالة تركه في دعة ومسالمة والذي ينبه على هذا المعنى هو قوله {أَوْ تَتْرُكْهُ}.
وليس لشيء من الحيوان حالة للتشبيه بها في الحالتين غير حالة الكلب اللاهث لأنه يلهث إذا أتعب وإذا كان في دعة فاللهث في أصل خلقته.
وهذا التمثيل من مبتكرات القرآن فان اللهث حالة تؤذن بحرج الكلب من جراء عسر تنفسه عن اضطراب باطنه وان لم يكن لاضطراب باطنه سبب آت من غيره فمعنى {إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ} أن تطارده وتهاجمه.مشتق من الحمل الذي هو الهجوم على أحد لقتاله، يقال حمل فلان على القوم حملة شعواء أو حملة منكرة، وقد أغفل المفسرون توضيحه وأغفل الراغب في مفردات القرآن هذا المعنى لهذا الفعل.
فهذا تشبيه تمثيل مركب منتزعة فيه الحالة المشبهة والحالة المشبه بها من متعدد،