First Previous Next Last

ووقع قوله {أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} معادل {أَدَعَوْتُمُوهُمْ} مع اختلاف الأسلوب بين الجملتين بالفعلية والاسمية، فلم يقل أم صمتم، ففي تفسير القرطبي، عن ثعلب: أن ذلك لأنه رأس آية أي لمجرد الرعاية على الفاصلة قال: وصامتون وصمتم عند سيبويه واحد، أي الفعل والوصف المشتق منه سواء يريد لا تفاوت بينهما في أصل المعنى لأن ما بعد همزة التسوية لما كان في قوة المصدر لم يكن فيه اثر للفرق بين الفعل والاسم إذ التقدير: سواء عليكم دعوتكم إياهم وصمتكم عنهم، فيكون العدول إلى الجملة الاسمية ليس له مقتض من البلاغة بل هما عند البليغ سيان، ولكن العدول إلى الاسمية من مقتضى الفصاحة، لأن الفواصل والأسجاع من أفانين الفصاحة، وفيهما تظهر براعة الكلام إذ يكون فيه إيفاء بحق الفاصلة مع السلامة من التكلف، كما تظهر براعة الشاعر في توفيته بحق القافية إذا سلم مع ذلك من التكلف، قال المرزوقي في ديباجة شرحه على الحماسة والقافية يجب أن تكون كالموعود به المنتظر يتشوقها المعنى بحقه، واللفظ بقسطه، وإلا كانت قلقة في مقرها مجتلبة لمستغن عنها.
والتحقيق أن الجملة الاسمية دلت على ثبوت الوصف المتضمنة، مع عدم تقييد بزمان ولا إفادة تجدد، بخلاف الفعلية، وهو صريح كلام الشيخ في دلائل الإعجاز، والسكاكي في المفتاح، لكن كلام الزمخشري في هذه الآية ينادي على أن جملة {أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ} دالة على استمرار صمتهم، وكذلك كلام السكاكي في إبداء الفرق بين الجملتين في قوله تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ} [البقرة:8] وفي قوله تعالى: {قَالُوا آمَنَّا} [البقرة: 14] مع قوله عقبه: {قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ} [البقرة: 14]، وظاهر كلام الشيرازي في شرح المفتاح أن الثبوت يستلزم الاستمرار، وقال الشارح التفتازاني، في شرح المفتاح: الحق أن الجملة الاسمية التي تكون عدولا عن الفعلية تفيد الدوام الذي هو كالثبوت، وفسر في شرح تلخيص المفتاح الثبوت بمقارنة الدوام وأما السيد في شرح المفتاح، وحاشيته على المطول، فقد جعل الجملة الاسمية قد يقصد بها الدوام إثباتا ونفيا بحسب المقامات.
وعندي أن الجملة الاسمية لا تفيد أكثر من الثبوت المقابل للتجدد، وأما الاستمرار والدوام فهو معنى كنائي لها يحتاج في استفادته إلى القرينة المعينة وهي منفية هنا، فالمعنى: سواء عليكم أدعوتموهم دعوة متجددة أم لازمتم الصمت، وليس المعنى على الدوام، وقد احتاج صاحب الكشاف إلى بيانه بطريقة الدقة بإيراد السؤال والجواب على