[الإسراء:73]
بناء على ما نحوناه في تفسير الآية السابقة. وهذه منة أخرى ومقام آخر من مقام رسول الله صلى الله عليه وسلم تجاه المشركين. ويجوز أن يكون من تكملة ما قبله فيكون الركون إليهم ركونا فيما سألوه منه على نحو ما ساقه المفسرون من الأخبار المتقدمة.
و(لولا) حرف امتناع لوجود، أي يقتضي امتناعا لوجود، أي يقتضي امتناع جوابه لوجود شرطه، أي بسبب وجود شرطه.
والتثبيت: جعل الشيء ثابتا، أي متمكنا من مكانه غير مقلقل ولا مقلوع. وهو مستعار للبقاء على حاله غير متغير. وتقدم عند قوله تعالى {وَتَثْبِيتاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ} [البقرة: من الآية265]
وعدي التثبيت إلى ضمير النبي الدال على ذاته. والمراد تثبيت فهمه ورأيه. وهذا من الحكم على الذات. والمراد بعض أحوالها بحسب دلالة المقام، مثل{حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} [النساء: من الآية23]. فالمعنى: ولولا أن ثبتنا رأيك فأقررناه على ما كان عليه في معاملة المشركين لقاربت أن تركن إليهم.
واللام في {لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ} يجوز أن تكون لام جواب لولا ، وهي ملازمة لجوابها لتحقيق الربط بينه وبين الشرط.
والمعنى على الوجه الأول في موقع هذه الآية: أن الركون مجمل في أشياء هي مظنة الركون ولكن الركون منتف من أصله لأجل التثبيت بالعصمة كما انتفى أن يفتنه المشركون عن الذي أوحي إليه بصرف الله إياهم عن تنفيذ فتنتهم.
والمعنى على الوجه الثاني: ولولا أن عصمناك من الخطأ في الاجتهاد وأريناك أن مصلحة الشدة في الدين والتنويه بأتباعه، ولو كانوا من ضعفاء أهل الدنيا، لا تعارضها مصلحة تأليف قلوب المشركين، ولو كان المسلمون راضين بالغضاضة من أنفسهم استئلافا للمشركين، فإن إظهار الهوادة في أمر الدين تطمع المشركين في الترقي إلى سؤال ما هو أبعد مدى مما سألوه، فمصلحة ملازمة موقف الحزم معهم أرجح من مصلحة ملاينتهم وموافقتهم، أي فلا فائدة من ذلك. ولولا ذلك كله لقد كدت تركن إليهم قليلا، أي تميل إليهم، أي توعدتهم بالإجابة إلى بعض ما سألوك استنادا لدليل مصلحة مرجوحة واضحة وغفلة عن مصلحة راجحة خفية اغترارا بخفة بعض ما سألوه في جانب عظم ما وعدوا به من إيمانهم.