يؤمنوا إلا ذلك التوهم الباطل لأن الله حكى مثل ذلك عن كل أمة كذبت رسولها فقال حكاية عن قوم نوح{مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ} [المؤمنون:24]. وحكي مثله عن هود{مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخَاسِرُونَ} [المؤمنون:33ـ34].وعن قوم صالح{مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [الشعراء:154]،وعن قوم شعيب{وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا} [الشعراء:186]،وحكي عن قوم فرعون:{فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا} [المؤمنون:47]. وقال في قوم محمد صلى الله عليه وسلم:{بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ} [قّ:2].
وإذا شمل العموم كفار قريش أمر الرسول بأن يجيبهم عن هذا الشبهة بقوله:{لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ} [الإسراء:95]الآية، فاختص الله رسوله محمدا صلى الله عليه وسلم باجتثاث هذه الشبهة من أصلها اختصاصا لم يلقنه من سبق من الرسل، فإنهم تلقوا تلك الشبهة باستنصار الله تعالى على أقوالهم فقال عن نوح{قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحاً وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} [الشعراء:117ـ118].
وقال مثله عن هود وصالح، وقال عن موسى وهارون،{فَكَذَّبُوهُمَا فَكَانُوا مِنَ الْمُهْلَكِينَ} [المؤمنون:48]،
فقد ادخر الله لرسوله قواطع الأدلة على إبطال الشرك وشبه الظلال بما يناسب كونه خاتم الرسل، ولهذا قال في خطبة حجة الوداع:"إن الشيطان قد يئس أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما دون ذلك مما تحقرون من أعمالكم".
ومعنى قوله:{لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ}الخ: أن الله يرسل الرسول للقوم من نوعهم للتمكن من المخالطة لأن اتحاد النوع هو قوام تيسير المعاشرة، قال تعالى:{وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكاً لَجَعَلْنَاهُ رَجُلاً} [الأنعام:9]،أي في صورة رجل ليمكن التخاطب بينه وبين الناس.
وجملة{يَمْشُونَ}وصف ل{مَلائِكَةٌ}.
و{مُطْمَئِنِّينَ}حال. والمطمئن: الساكن. وأريد به هنا المتمكن غير المضطرب، أي مشي قرار في الأرض، أي لو كان في الأرض ملائكة قاطنون على الأرض غير نازلين برسالة للرسل أنزلنا عليهم ملكا.