والعناية بشأنه، لأن إراءة الآيات تزيد يقين الرائي بوجودها الحاصل من قبل الرؤية. قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} [الأنعام:75].
فإن فطرة الله جعلت إدراك المحسوسات أثبت من إدراك المدلولات البرهانية. قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي } [البقرة:260]. ولذلك لم يقل الله بعد هذا التعليل: أو لم يطمئن قلبك، لأن اطمئنان القلب متسع المدى لا حد له فقد أنطق الله إبراهيم عن حكمة نبوءة، وقد بادر محمدا صلى الله عليه وسلم بإراءة الآيات قبل أن يسأله إياها توفيرا في الفضل.
قال علي بن حزم الظاهري وأجاد:
| ولكن للعيان لطيف معنى | له سأل المعاينة الكلـيم |
واعلم أن تقوية يقين الأنبياء من الحكم الإلهية لأنهم بمقدار قوة اليقين يزيدون ارتقاء على درجة مستوى البشر والتحاقا بعلوم عالم الحقائق ومساواة في هذا المضمار لمراتب الملائكة.
وفي تغيير الأسلوب من الغيبة التي في اسم الموصول وضميريه إلى التكلم في قوله: {باركنا... ولنريه من آياتنا} سلوك لطريقة الالتفات المتبعة كثيرا في كلام البلغاء. وقد مضى الكلام على ذلك في قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ} في[الفاتحة:5].
والالتفات هنا امتاز بالطائف: منها أنه لما استحضرت الذات العلية بجملة التسبيح وجملة الموصولية صار مقام الغيبة مقام مشاهدة فناسب أن يغير الإضمار إلى ضمائر المشاهدة وهو مقام التكلم.
ومنها الإيماء إلى أن النبي صلى الله عليه وسلم عند حلوله بالمسجد الأقصى قد انتقل من مقام الاستدلال على عالم الغيب إلى مقام مصيره في عالم المشاهدة.
ومنها التوطئة والتمهيد إلى محمل معاد الضمير في قوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}، فيتبادر عود ذلك الضمير إلى غير من عاد إليه ضمير{نريه} لأن الشأن تناسق الضمائر، ولأن العود إلى الالتفات بالقرب ليس من الأحسن.
فقوله: {إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} الأظهر أن الضميرين عائدان إلى النبي صلى الله عليه وسلم. وقاله