First Previous Next Last

...................................................................................
________________________
النطق باللسان تلزمه الأحكام بالإشارة والكتابة حتى يجوز نكاحه وطلاقه وعتقه وبيعه وشراؤه إلى غير ذلك من الأحكام؛ لأن الإشارة تكون بيانا من القادر على النطق فالعاجز أولى ولأنه صلى الله عليه وسلم بين الشهر بالإشارة حيث قال "الشهر هكذا وأشار بأصابعه".1 قالوا والكتاب ممن يأتي بمنزلة الخطاب ممن ذكر أقول: فيه شيء وهو أن هذا يدل على بعض المدعي ولا يدل على بعضه الآخر بل يدل على خلافه فإن كتابة الأخرس حجة فيما سوى الحدود وليس بحجة في الحدود، وهذا الدليل المذكور لا يدل على عدم كونها في الحدود إذ لا فرق فيه بين الحدود وما سواها بل يدل على كونها حجة في الحدود أيضا إذا كانت مستبينة مرسومة وهو بمنزلة النطق في الغائب والحاضر على ما قالوا، فإنه إذا كان بمنزلة النطق في حق الحاضر أيضا لم يكن حجة ضرورة فينبغي أن يكون حجة في الحدود أيضا كما كان النطق حجة فيها فليتأمل في المخلص. والدليل على أن الدلالة كالبيان هو أنه صلى الله عليه وسلم بلغ الرسالة بالكتاب2 كالخطاب فإذا كان خطابا في حق القادر ففي حق الأخرس أولى؛ لأن عجزه ظاهر وألزم عادة؛ لأن الغائب يقدر على الحضور بل يقدر ظاهرا والأخرس لا يقدر على نطق والظاهر بقاؤه على الدوام، ثم الكتاب على ثلاثة مراتب مستبين ومرسوم وهو أن يكون معنونا أي مصدر بالعنوان وهو أن يكتب في صدره من فلان بن فلان على ما جرت به العادة في سير الكتب فيكون هذا كالنطق فيلزم حجة ومستبين غير مرسوم كالكتابة على الجدران وأوراق الأشجار أو على الكاغد لا على وجه الرسم فإن هذا يكون لغوا؛ لأنه لا عرف في إظهار الأمر بهذا الطريق فلا يكون حجة إلا بانضمام شيء آخر إليه كالبينة والإشهاد عليه والإملاء على الغير حتى يكتبه؛ لأن الكتابة قد تكون تجربة وقد تكون للتحقيق وبهذه الإشارة تتبين الجهة وقيل الإملاء من غير إشهاد لا يكون حجة والأول أظهر وغير مستبين كالكتابة على الهواء أو الماء وهو بمنزلة كلام غير مسموع ولا يثبت به شيء من الأحكام وإن نوى، وقول المؤلف وقود وعلل في الهداية بأن القصاص فيه معنى العوضية؛ لأنه شرع جابرا فجاز أن يثبت مع الشبهة كسائر المعاوضات التي هي حق العبد بخلاف الحدود الخالصة لله تعالى فشرعت زواجر وليس فيها معنى العوضية فلا تثبت مع الشبهة لعدم الحاجة. أقول: فيه بحث أما الأول فلأن ما ذكر ها هنا من جواز ثبوت القصاص مع الشبهة مخالف لما صرح به فيما مر في عدة مواضع منها كتاب الكفالة فإنه قال فيه ولا تجوز الكفالة بالنفس في الحدود والقصاص عند أبي حنيفة؛ لأن مبنى الكل على الدرء فلا يجب فيها الاستيثاق ومنها كتاب الشهادات فإنه قال فيه ولا تقبل في الحدود والقصاص شهادة النساء؛

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
1 أخرجه البخاري في الصوم 1908، ومسلم في الصيام 1080.
2 تقدم تخريجه.